محتوى المقالة الرئيسية
الملخص
شهدتْ العصورُ المتأخرةُ التي تلتْ سقوطَ بغداد بيد هولاكو سنة 656ه ، ضروباً من فنونِ القولِ لم تكن معروفةً من قبلُ ، فظهرتْ الفنون الشعريّةُ المعربة ، مثل القوما والكان كان والزجل والدوبيت ...وغيرها ، وراح الأدباءُ يبتكرون أنماطاً أخرى تستوعبُ ما يحتاجون التعبيرَ عنه في حياتهم ، بعد أنْ ضعفتْ السليقةُ العربيةُ ، ولم تعد الصدارةُ للشعرِ كما كان الحالُ في العصورِ السابقةِ ، ومالَ الناسُ إلى ما يبتكرهُ الأدباءُ ، تناغماً مع اللين الذي طبع الحياةِ بشكلٍ عامٍ .
ومن الفنونِ التي ظهرتْ في هذه العصورِ فنُّ ( المفاخرة) . وهذا الفنُّ ، وإنْ كان من نتاجِ الزمنِ المشار إليه ، تمتدُّ جذورهُ إلى الجاحظ ، الذي أجرى ضروباً من الافتخارِ بين الغلمان والجواري ، والسودان والبيضان في رسائلهِ المشهورةِ ، ثم تراجع هذا الفنُّ قليلا في العصرِ العباسي ، ولكنّه نشط مرةً أخرى في عصرِ المماليكِ وعهدِ الدولةِ العثمانيّةِ ، ويتضحُ ذلك من خلالِ كثرةِ النصوصِ التي وصلتْ إلينا منه من العصرينِ السابقينِ .
وفي هذا الفنِّ تظهرُ قدرةُ الأديبِ على بسط ما يريده من الحديثِ عن الأوضاعِ الاجتماعية والدينيةِ والعقليّةِ للمجتمع الذي يعيشُ فيه . ومن هنا فهي تمثّلُ نمطاً أدبياً راقيا ، يقومُ على الحِجاجِ والقدرة على الاقناعِ ، التي تجعلُ المتلقّي يتأرجحُ بين هذا الطرفِ أو ذاك من الطرفين المتحاورين ، وهي تمثلُ في الوقتِ نفسهِ ضرباً من ضروبِ الترفِ الفكري التي أملتها ظروفُ العصورِ التي أنتجتها .
ومن هنا يأتي تحقيقُنا لمخطوطةِ ( مفاخرة الليل والنهار) للشيخ عزِّ الدين بنِ عبدِ السلام المقدسي ، لتكشفَ لنا عن السِّماتِ الفنيةِ لهذا الضربِ من الأدبِ ، فضلا عمّا تتضمّنه من أهدافٍ وعظيةٍ وتربويةٍ .